مجتمع

المرأة العربية والتمكين الاقتصادي

تعرّف عملية أو سياسة تمكين المرأة وهي بالإنجليزية ) Women’S Empowerment) بأنّها العملية التي تُتيح للمرأة امتلاك الموارد والقدرة على الاستفادة منها وإدارتها بهدف تحقيق مجموعة من الإنجازات،
الموارد: وتشمل جميع المخصصات المادية والبشرية والاجتماعية التي تساعدها على الانطلاق في مشروعها الخاص.
الإدارة: وهي قدرة المرأة على تحديد أهدافها من المشروع وتوجيهه والقدرة على اتخاذ القرار السليم الذي يمكنها من الاستفادة من نتائجه ومردوديته.
الإنجازات: هي مجموعة من النتائج التي تبدأ من تحقيق مستوى عيش كريم في البيت إلى الخروج وإثبات الذات اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا في المجتمع.
وقد اختلف الخبراء في تعريف هذا التمكين لكننا سنناقش تعريفا واحدا هو الاقرب للمفهوم الذي يراد له ان يكون مطمح المرأة في الوطن العربي أو على الاقل التصور لعملية التمكين في بلادنا، وهو ما قالته الاقتصادية الباكستانية نائلة كبير
“Naila Kabeer” “أنّ تمكين المرأة يكون من خلال التغيير في العلاقات التي تربط الرجل والمرأة معاً بحيث يُصبح الرجال أقل سيطرةً على حياة النساء وتُصبح المرأة أقدر على السيطرة على حياتها”
رغم أن الدكتورة مختصة بعلم الاقتصاد، فإنها أهملت بندا مهما بهذا العلم وهو علاقته بعلوم انسانية اخرى كعلم الاجتماع والتاريخ وعلم النفس … هذه العلوم التي تساهم بشكل قوي في تحديد برامجه و اتجاهاته وحصرت قضية التمكين بقضية الخروج عن سيطرة الرجل وتحقيق سيطرة المرأة على نفسها، في حين أن المطلوب هو تنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة في ظل المناخ السياسي والاجتماعي الذي يعيشان فيه لتسهيل الكسب وتحسين ظروف الحياة لكليهما. وهذا لا يمكنه أن يكون إلا بتوفير ظروف مناسبة للمرأة تتفق مع ثقافة المجتمع وتبعدها عن الصدامات مع الرجل فهو شريك في الحياة وليس منافس أو غريم.
ونظرا لعلاقة علم الاقتصاد بتلك العلوم الانسانية فلابد من مراعاتها حين وضع اي برنامج لتمكين المرأة، فلا يمكن أن يضع المختصون أي برنامج قبل وضع دراسات تاريخية واجتماعية ونفسية لأي مجتمع واحترام ثقافته حتى يستطيع البرنامج أن يعطي ثماره. فالظروف الاجتماعية والنفسية للمرأة القروية ليست كما نظيرتها في المدينة والمناطق الحضرية، والظروف التاريخية والاجتماعية والنفسية أو الثقافية للمرأة الأوربية ليست هي التي عند المرأة العربية،
المرأة العربية و قضية التمكين
اصبحت قضية تمكين المرأة العربية قضية شائكة نظرا لتلك البرامج التي حددت لها من مراكز بحث غربية، والتي ربطت تمكين المرأة بخروجها من البيت للحياة العامة وتحررها من سيطرة الرجل واستقلالها بحياتها الخاصة في الراي والسلوك حتى لو اصطدمت مع ثقافة مجتمعها وعقيدته، في حين كان يجب احترام واقع المرأة العربية وتاريخها وثقافة مجتمعها قبل أن تتم عملية انجاز اي مشروع لتمكينها، واعتقد أن الأمر متعمدا لأن الاقتصاد هو أحد الوسائل لتمرير سياسات و ايديولوجيات و مخططات استعمارية أو هدامة للمجتمع، ومنها قضية تمكين المرأة ومغازلتها بالرفاه الاقتصادي ومن ثم استفزازها لصدامات مع الرجل والمجتمع وارهاقها نفسيا حتى لا تستطيع التركيز على أي شيء.
تاريخيا لم تكن المرأة العربية بعيدة عن المشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للدولة أو المجتمع منذ عهد القبيلة الى عهد الدولة المدنية، ربما وصلتنا معلومات مغلوطة عن وضعيتها الاجتماعية في عهد القبيلة، إلا أن الحقيقة أنها كانت تتساوى مع الرجل تحت طائلة النظام القبلي السائد الذي كان يعتمد معيار الانتماء الطبقي أو القبلي و الانساب في عملية الفرز بين افراد القبيلة و تصنيفهم رجالا كانوا أو نساء، فقد عرفت المرأة العبودية والقتل والإذلال كما عرفها الرجل و عرفت السيادة و الزعامة كما عرفها الرجل، وضعية كليهما تتحدد حسب بعدهم أو قربهم من القبيلة الأكبر عددا و عدة أو النسب العريق أو ما ملكت أيمانهم من ثراء …
وخير دليل على ذلك “السيدة خديجة بنت خويلد” رضي الله عنها، المخضرمة بين عهد الجاهلية و الاسلام. فقد كانت من سيدات قومها تعمل بالتجارة و تسير اعمالها من الالف للياء أي باختصار سيدة أعمال حسب تسمية العصر، ثم ” الشفاء العدوية ” التي تعتبر أول وزيرة للتجارة إن صح التعبير بمنطوق عصرنا والتي ولاها عمر بن الخطاب ديوان إدارة الاسواق، هذا الديوان الذي يعتبر أهم ادارة في الدولة وعليه يقوم اقتصادها وبالتالي استقرارها السياسي باعتبار أن الاقتصاد هو أهم نشاط يحدد وضعية الدولة قوتها أو ضعفها. كما هو الحال في عصرنا هذا.
وبتطور المجتمعات وانظمتها الاجتماعية، تتبلور وضعية المرأة وحتى الرجل وكذلك العلاقة بينهما وكلما كانت هذه العلاقة منسجمة ومتكاملة إلا وأعطيا أكثر، فالمسالة ليست تنازع السلط أو تمرد المرأة على سلطة الرجل حتى تحقق ذاتها حسب تصور الدكتورة نائلة كبير. وإنما مدى انسجام الأنشطة التي تقوم بها المرأة مع المعطيات الاجتماعية و الثقافية للوسط الذي تعيش فيه والتعاون الذي تتلقاه من الآخر سواء كان رجلا أو نظاما سياسيا واجتماعيا.
لقد شكلت المرأة عبر العصور وتاريخ الانسانية عنصرا ايجابيا بل محور الحياة، ولا أدل على ذلك أن رفعت لدرجة الآلهة في جميع الحضارات القديمة فكانت آلهة الخصوبة والزرع وتجدد الحياة، توهب لها القرابين لاستجداء الخير والعطاء .. كانت دائما تلك الطاقة الكامنة في لوح محفوظ تعطي أكلها كل حين بلا كلل أوملل في صمت لينعم الكون بالتوازن والاستقرار، لهذا فعندما نضع خطة لفائدة تمكين المرأة اقتصاديا أو سياسيا أو اجتماعيا علينا أن لا نغفل قيمتها ووزنها في الضمير الانساني فهي عمق ثقافته وروح عقيدته وفلسفة فكره واجتثاثها من هذه المكونات الثلاث عند وضع الخطط والبرامج لتمكينها لن يزيدها إلا شقاء و مجتمعها اختلالا.

نزهة الإدريسي
المملكة المغربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: